برنامج سيناريوهات استشراف المستقبل (اليمن 2020)

إن المطلوب لله من عباده الاجتهاد. وها نحن في منتدى التنمية السياسية مع شركائنا الدوليين، مؤسسة فردريش ايبرت الألمانية مكتب اليمن ومع نخبة من خيرة الباحثين والمختصين اليمنيين كل في مجاله اخرتنا أن نجتهد وان نتجاوز حدود المألوف والمعتاد وان نمد أبصارنا وبصريتنا ابعد من غبار وزوابع الحاضر محاولين استكشاف أفاق المستقبل، تتبعنا خطا من سبقونا في مجتمعات تتقدمنا بمسافات طويلة في مختلف المجالات، وقررنا إنجاز مشروع اليمن 2020 كمشروع استشرافي لما يمكن أن تكون عليه حال اليمن خلال العشرة الأعوام القادمة.

تبنينا منهج السيناريوهات بالرغم من حداثته على المستوى العالمي بشكل عام وفي مجال الدول بشكل خاص، (حيث انه قد تموضع على مدى غير قصير في مجال الأعمال وفي المجالات العسكرية، إلا انه مازال حديث التموضع بالنسبة لما يتعلق بالدول). ومع انعدام سابق خبرة لنا به في اليمن.

أطلعنا على تجارب غيرنا، حاولنا الاستفادة منها بقدر ما يمكننا استيعابه، كيفنا منهجنا بما يتناسب مع المعطيات الموضوعية والذاتية، اعتمدنا منهج التخلق والتشكل للمشروع بحسب ما سنوجهه من متاحات وعوائق ومن خلال كل ذلك أنجزنا هذه الوثيقة التي نقدمها لكم كما هي، بكل ما يمكن أن تجدوا فيها من ايجابيات وبكل ما تتضمنه من سلبيات ونواقص.هذا الوثيقة التي بين يديكم هي حاصل عملية توفيق بين منهجي السيناريوهات والتوقعات.لم نتمكن مهنيا من صيغة سيناريوهاتنا بأسلوب السرد القصصي كما هو معمول به في عداد السيناريوهات، ليس فقط بسبب حدودية القدرات المهنية التي يمكنها القيام بذلك ولكن أيضا بسبب ثقافة المتلقي وهم في الأصل النخبة المشاركة أو المؤثرة في صناعة القرارات وتوجيه الأحداث في اليمن، هذه الثقافة التي تقلل من قيمة السرد القصصي وتنحاز لمنهج التحليل والتوصيف.

كما إننا تجنبنا بقدر الإمكان منهج التحليل والتبرير وتقديم النصائح كون ذلك لا يتوافق مع متطلبات صياغة السيناريوهات. واعتمدنا أسلوب بين هذا وذالك واترك لكم تقييم ما استطعنا إنجازه.

في يونيو2008 بدأنا بتشكيل الفريق الذي سيتولى تسيير أنشطة المشروع من بين إدارتي المنتدى ومؤسسة فريدريش ايبرت، وكانت المهمة الأولى للفريق وضع خارطة طريق لتنفيذ المشروع.

بدأنا بتحديدأهم المحددات التي ستكون الأكثر تأثيراً خلال المدى المحدد للسيناريوهات، وبعد عصف ذهني حاد، توصلنا إلى اعتبار المحددات التالية هي الأكثر تأثرياً واعتمدناها كمحددات لمشروعنا.

الماء، السكان، اقتصاديات ما بعد النفط، الحكم المحلي وعلاقة اليمن مع دول مجلس التعاون الخليجي، هذه هي المحددات الخمس لمشروعنا واعتبرناها المحددات: أي المفاتيح التي تؤثر في غيرها من العوامل المؤثرة في اتجاهات المستقبل سلباً أو إيجابا. تجنبنا قضايا الجدل الحالية بما في ذلك قضية الإرهاب بالرغم من قناعتنا بأهميتها، لم يكن لدينا سبب منطقي أو منهجي لتجنب قضية الإرهاب كأحد المحددات الأكثر حده في التحولات المستقبلية سوى ما يمكن تسميته بالحصافة المؤسسية لكل من منتدى التنمية السياسية ومؤسسة فردريشايبرت مكتب اليمن.

تعاقدنا مع من اعتبرناهم أفضل المتخصصين كل في مجاله لأعداد الأوراق المرجعية لكل محدد من محددات المشروع الخمس. لورقة المياه تعاقدنا مع الدكتور محمد الحمدي وكيل وزارة المياه. لورقة السكان تعاقدنا مع الدكتورة رؤوفة حسن أستاذة الإعلام بجامعة صنعاء. لورقة الاقتصاد تعاقدنا مع الدكتور محمد الأفندي أستاذ الاقتصاد بجامعة صنعاء. لورقة الحكم المحلي تعاقدنا مع الدكتور محمد الظاهري أستاذ العلوم السياسية بجامعة صنعاء. ولورقة العلاقة مع دول مجلس التعاون الخليجي تعاقدنا مع الأستاذ عبد الناصرالمودع الباحث المستقل.

وكان للجودة ثمنها في الوقت، حيث استغرق البعض من الأخوة الباحثين ثلاثة أضعاف الوقت المتفق عليه لإنجاز أوراقهم، وقد أثبتت الأوراق المقدمة بأنها تستحق ذلك الوقت المبذول فيها.

لمناقشة الأوراق المرجعية وضعنا آلية اعتقدناها فاعلة ومثرية للأوراق وللمشروع بشكل عام، قررنا أن تتم مناقشة كل ورقة من قبل فريق مكون من ثلاثة مجاميع، مجموعة التسيير، الخمسة الباحثين المتخصصين، خمسة من المهتمين بالشأن العام يمثلوا التنوع الثقافي والسياسي اليمني كمشاركين دائمين في مناقشة كل الأوراق وخمسة متخصصين في موضوع الورقة محل النقاش، بالإضافة إلى اختيار مقرات جهات ومؤسسات دولية ومحلية مهتمة بمواضيع الأوراق لمناقشة الأوراق في مقراتها.

في 23 مارس2009 بمقر البنك الدولي وبحضور المدير الإقليمي للبنك، وعدد من خبراء البنك ناقشنا ورقة اقتصاديات ما بعد النفط التي أعدها وعرضها د محمد الأفندي.

في 22 ابريل 2009 بمقر مكتبGTZ الألماني بصنعاء وبحضور عدد من خبراء المياه العاملين في المنظمة ناقشنا ورقة المياه التي أعدها وعرضها الدكتور محمد الحمدي.

في 30 مايو 2009 وبمقر وزارة التخطيط والتعاون الدولي وبحضور عدد من قيادات الوزارة ناقشنا ورقة السكان التي أعدتها وعرضتها د رؤوفة حسن.

في 28 يونيه2009 وفي قاعة فندق شهران بصنعاء وبحضور عدد من قيادات وزارة الإدارة المحلية ناقشنا ورقة الحكم المحلي التي أعدها وعرضها د. محمد الظاهري.

في 19 نوفمبر في قاعة فندق موفمبيك بصنعاء وبمشاركة فاعلة من قبل باحثين متخصصين من دول مجلس التعاون الخليجي ناقشنا ورقة العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي التي أعدها وعرضها الأستاذ عبد الناصر المودع.

عند هذا الحد وبعد مضي أكثر من عام على بدء المشروع وبالنظر لكون ما أنجزناه هو ذلك الجزء المعروف والمعتاد لدينا وان المتبقي هو الأكثر أهمية وصعوبة ومع انعدام الخبرة لدينا فيه بدأنا نشعر بأننا قد استنزفنا معظم طاقاتنا وحماسنا، وبدأنا التندر على أنفسنا حدالقول بأننا سننجز المشروع في عام .2020

فكرنا بالاستعانة بخبرات عربية أو دولية، تعددت الرؤى وتباينت حول كيف المضي قدماً، تراجع حماس معظم من شاركوا معنا خلال الفترة الماضية وأخذ الاجتهاد موقع الصدارة في عملنا في الفترة التي تلت ذلك.

كنا بحاجة إلى صهر هذه الأوراق الخمس وإعادة صياغة خالصتها في سيناريوهات مركزة تمثل إضاءات أمام صناع القرار والمهتمين بالشأن العام اليمني.

عزمنا وتوكلنا واخرتنا أكثر المشاركين حماًسا وطاقة للبدء بالمهمة واعتبرناه فريق إنجاز، وبالفعل كانوا كذلك. وعلى ضوء النقا شات المطولة والجادة بين فريق الإنجاز مت اختيار الأخ علي محمد الوافي لبناء وصياغة السيناريو الأسود الذي أسميناه فيما بعد بسناريو» وتفرقت أيدي سبأ. « بالإضافة إلى عرض الوضع الحالي معتمداً على ما أوردته الأوراق المرجعية، كما تم اختيار الدكتور جلال فقيرة لبناء وصياغة السيناريو الأخضرالذي أسميناه فيما بعد سيناريو استلهام الفرص.

في اختيارنا لعدد السيناريوهات لم نلتزم الصيغة التقليدية أو النمطية السائدة التي تحدد ثلاثة خيارات أحدها سلبي والثاني ايجابي وبينهما رمادي، لم نجد مبرر أو منفعة تذكر من إيراد سيناريو رمادي اللون كونه يفترض إمكانية استمرار الأوضاع الحالية خلال العقد القادم، ربما كان ذلك ممكن قبل عشر سنوات أو أكثر أما الآن وقد بلغت الأوضاع المنحدر فلم يعد بالإمكان استقرارها على ما هي عليه أو توقف التهاوي ما لم يحدث تغيير استراتيجي ليس فقط في منهج تفكري صناع القرار لدى كل أطراف المنظومة السياسية اليمنية بل وفي أسلوب أدائهم أيضا. فلم يعد يكفي القيام بما هو صحيح وصائب بل لا بد أن يتم عمل ذلك بالطريقة الصحية والصائبة. لهذه القناعة استبعدنا السيناريو الرمادي. لبناء السيناريوالأسود انطلقنا من الفرضية التي تؤكد بأن استمرار تآكل شرعية الحكم وان سداد امل سارات السلسة والآمنة نحو المستقبل يفقدنا الثقة بمقدرتنا على تحقيق إنجاز يمني معاصر ويعزز حالة الاستحضار من الماضي لأساطير وذكريات لمنجزات فئوية. وسوف يؤدي إلى تفرق أيدينا كما سبق وتفرقت أيدي سبأ من قبلنا.

ولبناء السيناريو الأخضر انطلقنا من الفرضية التي تؤكد بأن استلهام الفرص، واستثمار المتاحات الوطنية، الإقليمية، والدولية يتطلب إرادة سياسية جمعية مقتدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية قاسية ومريرة تعيد صياغة معادلة الحكم بما يتوافق مع تطلعات الشعب اليمني وطموحاته وبما يؤدي إلى بناء نظام حكم يشبه اليمن كل اليمن.

تركنا للأخوين الأستاذ علي الوافي والأستاذ الدكتور جلال فقيرة حق اختيار أسلوب الصياغة وتحديد التفاصيل. حاول الأستاذ الوافي تبني أسلوب السرد متجنباً أسلوب التحليل فيما حرص الدكتور فقرية على تبني منهجية علمية تعتمد على تحليل النظم بالشكل الذي طورهديفيد ايستون. لقد اجتهدا وكل مجتهد مصيب.

وبإعادة قراءة الأوراق والسيناريوهات اليوم وأنا اكتب المقدمة يفزعني مدى التسارع في انحدار الأوضاع وتعاظم مخاطر التحديات خلال السنتين الماضيتين؛ فقد عجزنا عن بناء السالم في صعده حتى وجدنا أنفسنا في الدوحة، وعجزنا عن فهم واستيعاب تطلعات المواطنين في المحافظات الجنوبية حتى أصبح مطلب فك الارتباط حقيقة من حقائق المشهد السياسي الوطني، وعجزنا عن استشراف خطورة تحدي تواجد القاعدة ونشاطها في اليمن حتى أصبح اليمن البلد المقر لنشاطها في الجزيرة العربية وأصبحت قيادتها في اليمن الأكثر خطراً على العالم بعد قيادتها المركزية.

لقد عجزنا عن إيقاف التهالك المتسارع للبنية الاقتصادية الأساسية مثل الكهرباء حتى أصبحت اليمن تغرق في الظالم بسبب برق خاطف أو غضب قاطع طريق.

لقد عجزنا عن تحقيق حد أدنى من التوافق السياسي بين أطراف المنظومة السياسية الرسمية الحاكمة والمعارضة وفقدنا الحد الأدنى من الثقة المتبادلة حتى أصبح مجرد الحديث عن إجراء الانتخابات (كأهم أدوات التداول السلمي للسلطة في النظم الديمقراطية) في موعدها المؤجل عمل من أعمال التآمر الشيطاني المريب.

وأمام كل هذه التحديات بدت بعض من الفرص والمتاحات، حيث تداعت 27 دولة إقليمية ودولية، سمو أنفسهم بأصدقاء اليمن، للحوار فيما بينها ومع الحكومة اليمنية بهدف التوصل إلى خارطة طريق وحزمة سياسات تحافظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة اليمنية وفعاليتها تجنباً لمخاطر وشرور انزلاقها في مهاوي الفشل. بالإضافة إلى التوافق المبدئي المتردد بين الأحزاب الممثلة في مجلس النواب على الدخول في حوار موسع وشامل بينهما ومن يرغب من بقية القوى السياسية والاجتماعية على أمل أن يرتقي ذلك الحوار ليصبححواراً وطنياً شاملاً.

فهل ن ستطيع استلهام هذه الفرصة ونحقق التكامل والتوافق بين حوارنا الوطني وبين حوار أصدقاء اليمن، ونستثمر المتاحات الوطنية، الإقليمية، والدولية، ونفتح مسارات سلسة وآمنة نحو المستقبل، أم اننا سنصر على أسوء ما في خصوصيتنا اليمنية ونلحق بـأجدادنا الأقدمون حني تفرقت أيديهم قبلنا بآلاف السنين.